بقلم/ محمد الصالحي
منذ أن أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع بيان العملية العسكرية «والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً»، وأنا أحاول أن أكتب بطريقة تليق بحجم ما جرى، وأن أضع النتائج المباشرة والتداعيات الاستراتيجية لهذه العملية في سياقها الصحيح. وبعد بث الإعلام الحربي المشاهد الأولى للعملية، ازداد صعوبة توصيف المشهد؛ ليس لأن العاطفة غلبت العقل، وإنما لأن حجم التحول الذي حملته النتائج يتجاوز الوصف التقليدي للعمليات العسكرية.
فما حدث في الساحل الغربي لم يكن مجرد تقدم ميداني أو استعادة لمساحات جغرافية، بل عملية أعادت تشكيل البيئة العسكرية والاستراتيجية في واحدة من أكثر مناطق اليمن حساسية، وأسقطت مخزوناً بشرياً وعسكرياً كبيراً كان يمثل ورقة أساسية بيد القوى المعادية، وغيّرت في الوقت نفسه معادلات السيطرة على منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
فخلال أسبوع واحد، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تطهير نحو 5400 كيلومتر مربع، ودحر سبعة تشكيلات عسكرية تضم 38 لواءً، وإسقاط تسع طائرات تابعة للعدو السعودي، وتحرير عدد من أسرى القوات المسلحة الذين ظلوا في سجون العدو لسنوات. غير أن أهمية هذه النتائج لا تكمن في أرقامها وحدها، بل في آثارها التي تتجاوز الميدان إلى مستوى الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
لقد كان الساحل الغربي منذ بداية الحرب والعدوان عام 2015م أحد أهم ميادين الصراع، نظراً لموقعه المتصل بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب والجزر اليمنية، وفي مقدمتها ميون وحنيش وزقر. ولذلك سعت القوى الإقليمية والدولية المعادية إلى تحويل هذه المنطقة إلى قاعدة للضغط العسكري والاقتصادي على اليمن، وإلى منصة للتهديد باتجاه مدينة الحديدة ومينائها، الذي يمثل شرياناً اقتصادياً رئيسياً للمناطق الحرة.
ومن هنا فإن تحرير هذه المساحات أنهى تهديداً برياً واسعاً كان قائماً على تخوم الحديدة، وأسقط قدرة العدو على استخدام الساحل الغربي كمخزون استراتيجي للمقاتلين والأسلحة والآليات والمعدات، سواء لشن هجوم باتجاه الحديدة أو لإعادة توزيع قواته وتعزيز جبهات أخرى. كما أفقده مساحة واسعة من حرية الحركة والمناورة، وحصر وجوده في مناطق محدودة شمال الحديدة باتجاه ميدي.
والأهم من ذلك أن العملية أضافت بعداً جيواستراتيجياً بالغ الأهمية إلى معادلة القوة اليمنية. فاستعادة السيطرة على الجزر والمناطق المرتفعة المطلة على البحر الأحمر تمنح القوات المسلحة اليمنية موقعاً أفضل للرقابة والتتبع والاستهداف، وتعزز القدرة على حماية المياه الإقليمية والتحكم في المجال البحري المحيط بباب المندب. وهذا يعني أن أي وجود عسكري معادٍ في البحر الأحمر أو في القواعد العسكرية المقابلة للساحل اليمني أصبح أكثر عرضة للتهديد.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية أكبر عند ربطها بما أفرزته معركة السابع من أكتوبر 2023م من تكريس لمفهوم وحدة الساحات، وانتقال الصراع من جبهات منفصلة إلى معركة مترابطة تستخدم الجغرافيا والممرات البحرية والطاقة والتجارة الدولية كعناصر في موازين القوة. وإذا كانت القوات المسلحة اليمنية قد استطاعت سابقاً تجاوز البعد الجغرافي والوصول إلى عمق الأراضي المحتلة، وفرض معادلات مرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب، فإن ما تحقق في الساحل الغربي يضيف إلى هذه المعادلة عمقاً جغرافياً وميدانياً جديداً.
كما أن العملية أسقطت جزءاً مهماً من الرهان على سلاح الجو والبحرية المعادية؛ فالقوة الجوية وحدها لا تستطيع تحقيق أهداف استراتيجية ما لم توجد قوات برية قادرة على استثمار التفوق الجوي وإحداث الاختراقات الميدانية، وهو ما أثبتته التجربة اليمنية. ومع تراجع فاعلية التشكيلات البرية المعادية في الساحل الغربي، أصبحت قدرة هذه الأسلحة على تغيير الواقع الميداني أكثر محدودية.
وفي الجانب الاقتصادي، فإن تحرير الساحل يفتح المجال أمام توسيع النشاط الزراعي والحيواني والسمكي، واستثمار مساحات جديدة في دعم الإنتاج المحلي وتقليل آثار الحصار. كما أن تأمين الساحل وميناء المخا يضيف منفذاً مهماً لحركة السلع والبضائع، ويعزز قدرة صنعاء على التعامل مع الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن أهم نتائج العملية تتمثل في تعزيز موقع اليمن داخل معادلة أمن البحر الأحمر. ومع ارتباط باب المندب بمضيق هرمز، فإن امتلاك قوى محور الجهاد والمقاومة نفوذاً أكبر على أهم ممرين بحريين في المنطقة يرفع من القيمة الاستراتيجية للمحور، ويجعل أمن الطاقة والتجارة الدولية أكثر ارتباطاً بمواقف القوى الدولية تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وعليه، فإن عملية «والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً» لا ينبغي قراءتها باعتبارها معركة انتهت بتحرير مساحة من الأرض، بل باعتبارها تحولاً في بنية القوة اليمنية وموقعها الجيوسياسي. فقد خسر العدو ورقة عسكرية كبيرة، وتراجعت قدرته على المناورة والضغط من الساحل الغربي، بينما ازدادت قدرة صنعاء على حماية سواحلها ومياهها الإقليمية والتأثير في معادلات البحر الأحمر. ومن هنا تبدأ التداعيات الأوسع للعملية؛ فحين تتغير مواقع القوة على الأرض، تتغير معها حسابات الأطراف، وسلوكها، وتحالفاتها، وموقع اليمن في معادلات الإقليم والعالم.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد ٢٤٧٤، الاثنين ٤ ربيع الثاني ١٤٤٨هـ، ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦م.
